|
السيدة فاطمة
عثمان: دروس ورحيل بين خرابين (2)
بقلم: المبروك
الزوي
خرابين يا وطن ما فيك والي * وذيلك جوّالي * ولخرين ف المشنقة
والقتــالي
كأن أولائك الأبطال وهم على وشك إعدامهم في
ساحة "حي الفيلاجو" القريبة من مركز الشرطة وهي منطقة ربما تسميتها
من كلمة "فلج" إي قرية الطليان في وسط هون.. معلقين في حبل
المشنقة، وينتظر الأحباش كلمة الإعدام لتنفيذه.. حتى جاء عفو فوري
على رجل منهم وفي آخر لحظة.. يقول الصديق عبدالغني: "وكان ذلك
المولود من جديد هو السيد كامل الهوني.. حيث كتب الله له الحياة
مرة أخرى.. ليصبح بعد الاستقلال محامياً في طرابلس وعاش إلى أن
توفاه الله.. ببيته في قرب جامع سي "عميرة"بشارع الصريم."
لا أدري ما كانت "فاطمة عثمان" لتقول قبل
مماتها، وقد أدركت أكثر من خرابين لمدة تزيد عن قرن من الزمان وبضع
سنين ولله الأمر من قبل ومن بعد.. إلا أنها قد قالت قصيدتها وعبرت
عما يجول في خلدها دون أن يمعنها الإيطاليون من ذلك.. إلا أن
يتيمتها لم تثن بتوأم تعبر لنا عما حل بأبناء بلدها بعد تلك
المشقنة من عام 1929 حتى 2007م..

هل كان قدر قصة حب شعبنا الليبي مع "فاطمة
عثمان" أو العكس (حبها له) أن يكون حباً عذرياً.. حال البون بينها
وبين شعبها.. وستظل جذوته تشتعل إلى أن يجمع الله بين الشتيتين يوم
القيامة.. كان مرادنا أن نسألها عن الفرق بين المشنقتين والعهدين
والخرابين والحسرتين أيهما أكبر وأنكى وأدهى من الأخرى.. ولكنها
رحلت قبل أن نسألها.. وتركت قبل أن تجبنا..ظاعنة بعد أن زهدنا فيها
نحن.. فكان قدرها معنا نحن كقدر امرئ القيس والمثقف العبدي مع
فاطمتيهما.. فالأول مات مسموماً عطشاً على قبرها.. والآخر حاول أن
يمنعها من الرحيل.
ولكن قصة فاطمتنا أبلغ شجى في حزننا عليها
لأنها هي الشاعر ذو العواطف الجياشية الذي ظهر ولعه فباح بحبه
لمحبوبه.. ذلك المحبوب الشعب الذي كتب عليه الشقاء منذ انقضاء
العقد الاول من القرن العشرين.. وانتظرتنا قرناً من الزمان ونيف
دونما أن نقف نحن على بكائها وأطلال أحبتها وذكريات حبيبها
ومنزلها.. لنتعلم منها دفء المحبة والأخوة وكيفية استعادة الأوطان
واسترجاع الشتات.. ففاطمتنا في حياتها أحيا الله بكلماتها رجال
تكاثفوا حتى انتزعوا استقلال ليبيا.. فحق لكلماتها أن تسطر بماء
الذهب وأن يشرب لها ماء الورد.
إلا أن ماصبنا فيها أنها ماتت دون ان تحيي
في جيل الغضب "المنكوب" .. التائه وراء شعارات زائفة.. وجدليات
متضاربة.. ولعاعة فانية.. ما يتفق عليه لإنتشال ما بقي حطام بلد
وركامه.. فلم يجن جيلنا سوى السراب.. لأننا أريد لنا أن نكون نصفين
وضدين.. كخطين متوازيين.. لايلتقيان أبداً.. لتعيش الطفيليات
بينهما.. فأضحى نصفنا الثاني سجيناً ضحية معلقاً في أعواد المشانق
مذبوحاً في مقاصل السجون ومدفوناً في مقابر الحروب المصطنعة..
جائعاً في طرقات البؤس والشقاء.. وتائها في مطارات وموانئ الدول..
أما نصفنا الآخر.. تحت تأثير شهوات البطن
والفرج والحكم والتسلط.. وشبهات الفكر والوصاية.. وجدلية التقدم
والتأخر.. والتصحر والتمدن.. بات سجاناً ممسوخاً.. ككلبه البوليسي
يفرح بقطعة لحم ترمي له في وسط المصاب ومصيبة الموت.. يفرح بأن
الجناح الأخر المقابل مهيض.. دون أن يدري أن الطائر برمته يصبح
لقمة سائعة لأصغر الضواري.. نصف "يأكل لحم أخيه ميتاً" دون أن يكره
فعله أو أن ينفر من صنيعه.. أينما توجه لا يأتي بخير.. ومن أفاق
منه من سكرته.. أحيل إلى النصف الآخر ذلك الجناح المكسور ليذوب
كغيره في بحار النسيان.. وكأننا في دولاب لا يعرف الوقوف حتى يهوي
بمن معه من جرف هار أو في مكان سحيق.. ولا ولات حين مناص..
يتبع إن شاء الله
ملاحظة: صورة المشنقة من أرشيف أ. هشام
التاجوري/ موقع ليبيا المستقبل. |