|
السيدة فاطمة
عثمان: دروس ورحيل بين خرابين (1)
بقلم: المبروك
الزوي
بسم الله الرحمن الرحيم
دق جرس الهاتف عند منتصف الليل يوم الجمعة
وإذا به صديق عزيز من هون العزيزة، يقول لي لقد لقد تلقيت مكالمة
من هون للتو تنعى إحدى خيار نسائنا ، لقد توفيت شاعرتنا في هون بل
شاعرة ليبيا قاطبة فاطمة عثمان يوم الخميس الماضي، لقد توفيت من
سطرت زفراتها في "خرابين" فإنا لله وإنا إليه راجعون وعظم الله اجر
شعبنا الليبي وأقربائها كافة فيها.
أغلق صديقي عبدالغني بوتونس الهوني الخط
وذهب كل منا في حاله.. وتركت مهابة النبأ وصدى وقعه على الخلد..
أثراً بين الشدة والشده.. هكذا يودع هذا الشعب الكريم والوطن
الحبيب خياراً بعد خيار.. ورجالاً بعد نساء.. يعز عليه ، رغم أنه
قادر، أن ينجب مثلهم بله أن يفارق شخصهم.. وآخرهم فاطمة عثمان
"أمنا جميعاً" وشاعرة الجهاد الليبي.

إن في شعر هذه المرأة وفي موتها دروس ليت
شعري هل يفقه بعضها أويسبر غورها.. لقد سطرت بملحمتها اليتمية تلك
مأساة شعب بأكمله حيث صدرت قصيدتها لا بالنسيب ولا بالتغزل ولا
التزلف ولا بذكر المحاسن والمناقب، بل بالخراب المضاعف، بقولها:
خرابين يا وطن ما فيك والي * وذيلك جوّالي * ولخرين ف المشنقة
والقتــالي
فلم تتحدث عن خراب واحد بل جعلته مضاعفاً في
خراببين.. وهذان الخرابان ليسا على سبيل الحصر بل للإشارة إلى تعدد
المصاب مكاناً وزماناً ونوعاً وتلوعاً وحرقة وغبنا.. من دمار الوطن
واندثار أهله بين الهجرة والتقتيل.. لقد ولدت شاعرة عام 1900م
تقريباً، وقد سمعت دوي قنابل الاستعمار وهي بنت الحادي عشر
ربيعاً.. وظل تلك القنابل يقترب شيئاً فشيئاً من بستانها وباحة
لعبها وصديقاتها.. حتى آخر أيام مياني والمملكة الإيطالية تم لتهدأ
الأمور لحين إطلالة الفاشستيين من بعدها.
وفي هذه الكرة لم تستمع أمنا "فاطمة عثمان"
للقنابل فحسب بل رأت مشانق وحبال وجلادي الاستعمار يشنقون الضحية،
من مخالفيهم الليبيين الذين رفضوا الانصياع لحكمهم، في صمت مهيب ..
وحذر شديد.. تلفه طوابير من الأحباش والمرتزقة.. ولا يقطع ذلك
السكون الرهيب إلا دموع الأمهات وأزيز صدورهن.. وربما سمح المستعمر
بزغاريد الثكالى.. لإبداء مشاعرهن التي تغالب الأسى حتى وإن آذته
كمستعمر وقللت من نصره المظفر بين عينيه.

سمعنا ممن أدركوا عهد الاستعمار يرددون كملة
مفادها أن من اخترعوا المشنقة اصطلحوا على أن يعفو عمن انقطع به
حبلها إبان شنقه.. ثم قيل أن كلمة "حتى الموت" قد أضيفت في عهد
الفاشست.. ومع كل ذلك.. فإن المستعمر الإيطالي ربما لم يترك وجهاً
للمقارنة بمن جاء بعده من الشانقين حيث ترى البصق على وجوه
الضحايا.. والتعلق في تلابيبهم.. والتشفي منهم بطريقة "سادية"..
فاقت كل محددات المروءة في التعامل مع أبناء الدين الواحد.. والوطن
الواحد.. وفي أفضل الشهور.. ومن أقدسها حرمة عند الله.. لتصل قمة
وعنفوان التشفي بأن الضحية التي ظل فيها عرق ينبض يجب أن يسكت
بحقنة سامة كتب لها أن تسري في أوصالها الطاهرة.
يتبع إن شاء الله
ملاحظة: صورة المشنقة من أرشيف أ. هشام
التاجوري/ موقع ليبيا المستقبل. |